العيطة: تحقيرٌ تاريخيٌّ لفنٍ مقاومٍ

إن للنظرة الدونيَّة التي طبعت فن العيطة أساساً تاريخياً، باعتبار أن المستعمر عمل جاهداً على طمس الهويَّة المغربيَّة بشكل عام، كما عمل على محاولة إسكات أصوات فناني العيطة الذين استعملوا ذلك الفن في المقاومة، وذلك عبر بث رسائل مشفرة لا يفهمها إلا المقاومون.
ويعتبر الناقد والكاتب المغربي سعيد فرحاوي أنه « نظراً إلى قوة الصوت الغنائي في العيطة، والاستجابة القويَّة للإنسان المغربي إلى هذا الشكل الثراثي الحاضر في الوجدان الإنساني، ظلت الشيخة نموذجاً ضرورياً في هذا الإبداع المميز، كانت قادرة على إرسال الخطاب بلغة مشفّرة لا يفهمها إلا أهل القبيلة، يتحوَّل المضمون مرمزاً بتواصل نضالي خاص، وهو عامل رئيس حاول الاستعمار مستعيناً بخونة مرافقين له على رأسهم الباشا والقايد، طمس هويَّة هذا الشكل التعبيري وتهميشه في الثقافة المغربيَّة. واستغل الاستعمار انتماء الشيخة إلى وسط مهمش، على أساس أنها كانت متمردة على النمط الأسري، إضافة إلى كون جلّ الشيخات في هذه المرحلة إمَّا أرامل وإمَّا مطلقات وإمَّا نساء تجاوزهن سن الزواج، وفي الغالب كن لا يتقنَ الكتابة والقراءة، إلى جانب كون الشيخ في الغالب راعي غنم، كل تلك العوامل سهَّلت من مهمة الاستعمار في ابتذال مفهوم الشيخة وتحقيرها والحط من العيطة، وجعلها حكراً على أوكار الدعارة، إلى جانب أن الباشوات والقواد كانوا يتباهون بامتلاكهم الشيخات، لكن رغم كل ذلك ظلت حناجر جميلة تتغنى بالمقاومة وتحميس الفدائيين على القيام بدورهم النضالي لاسترجاع الاستقلال إلى الوطن، لعل عيطة خربوشة والشجعان خير نموذج لتقريب الرؤيَّة
« .

إقصاء الثقافة الشعبيَّة

وشكَّل استحواذ النخب السياسيَّة المقبلة من المدن العريقة، وبالأخص من مدينة فاس، عقوداً على المناصب الساميَّة في الدولة إلى إقصاء الثقافة البدويَّة واحتقارها، واعتبار ثقافة المدن العريقة هي التي يجب أن تسود في كامل البلاد.
وبالتالي هُمّشت الثقافة البدويَّة في المناهج التعليميَّة ووسائل الإعلام، ومن جانب آخر زادت الصورة النمطيَّة لفنانات العيطة المرتبطة بالانحراف الأخلاقي، من النظرة الدونيَّة لذلك الفن، وبالتالي أسهم خلال فترة معينة في عدم اهتمام المواطن العادي بذلك التراث. وأسهمت بالتالي كل تلك المعطيات في انحسار مجال « العيطة » في الأفراح والأعراس بالأرياف وبالملاهي الليليَّة في المدن.
ويعتبر حسن نجمي أن الصورة التي تشكَّلت عبر التاريخ عن الثقافة المغربيَّة لم تكن في حقيقتها إلا صورة مكوّن ثقافي منتصر على مكونات أخرى. ومع أن تلك « الثقافة المنتصرة » لم تكن ثقافة مكتملة ونهائيَّة، فقد أحيطت دائماً بـ »القداسة والتمجيد » في الخطابات السائدة، « ولم يُنظر إليها فرعاً ثقافياً يجب دمجه في نسق ثقافي مركّب العناصر قائماً على التعدد والاختلاف لا على الأحاديَّة والتجانس الخادع ».
وخلص الباحث إلى أنه « في هذا المناخ الثقافي القائم على نظام الخانات والتمايزات، وعلى تراتبيَّة في أشكال التعبير الفني والجمالي، لم يجد غناء العيطة وغيره في تاريخ الخطاب الثقافي في المغرب مَن يكتب عنه ولو جملة واحدة صريحة ومفيدة، وبالتالي لا يجب الاستغراب من ظهور الاهتمامات ببعض أشكال غناء العيطة في متن بعض الرحلات والبعثات الأوروبيَّة إلى المغرب، قبل الظهور في كتابات إعلاميَّة عدة خفيفة لبعض الفرنسيين ممن اهتموا بالأبعاد الغرائبيَّة في المجتمع المغربي خلال المرحلة الاستعماريَّة ».

Laisser un commentaire